أبي منصور الماتريدي
606
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أقصى بلاد المسلمين أمر بالعود ليضع قدمه موضعها ويخطو تلك الخطوة . واحتج بما روت صفية بنت فلان أنها سمعت امرأة سألت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : « إن الله كتب عليكم السعي بين الصفا والمروة فاسعوا » « 1 » . وهو يأتي مرة بقبول المراسيل لتوهم الغلط ، ومرة يحتج بامرأة لا يعرف ولا يذكر اسمها . والوجه فيه إن ثبت وصح أن الكتاب يحتمل غير ما قاله . وهو أن يقال : ( كتب ) أي حكم ، كقوله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ [ الأحزاب : 6 ] ، وقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [ النساء : 24 ] ، قيل : به حكم الله عليكم . وقال آخرون : ليس بفرض ولا لازم . واحتجوا بما ذكر في حرف أبىّ : « لا جناح عليه أن لا يطوف بينهما » ، ولا يذكر ذلك في شئ واجب . والثاني : إن هذه اللفظة لفظة رخصة ، ولا يرخص بترك ما هو فرض أو لازم . ثم الجواب عن الحرف الأول أن اللاءات ربما تزاد وتنقص ، ولا يوجب زيادتها ونقصانها تغير حكمها ، كقوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] أي : لا تضلوا . ومثل هذا كثير في القرآن . والثاني : ما ذكرنا أن المسلمين كانوا يتحرجون عن الطواف بينهما لمكان الأصنام . فبين عزّ وجل أن لا حرج عليهم في ذلك ، لا أن ليس الجناح يدفع الحرج في تركه . وأما عندنا : فهو لازم ؛ لأنه نوع ما لا يتبرع به ، والأصل عندنا : أن ما لا يتبرع به يخرج الأمر به مخرج الوجوب واللزوم ؛ كالطواف ، وسجدة التلاوة ، وكالوتر ، والأضحية وغيره . وقد روى عن عائشة ، رضى الله تعالى عنها ، أنها قالت : « ما تم حج امرئ قط إلا بالسعي » . فهو وصف [ بالنقصان لا وصف ] « 2 » بالفساد ، وفرق بين التمام من النقص وبين
--> - وحاشية العدوي ( 1 / 470 - 472 ) ، وشرح المنهاج ( 2 / 126 - 127 ) ، شرح المهذب ( 8 / 71 ) ، والمغنى ( 3 / 385 - 390 ) . ( 1 ) أخرجه أحمد ( 6 / 422 ) عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجزئة قالت : رأيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . . . فذكرته . وله شاهد من حديث ابن عباس : أخرجه الطبراني في الكبير ( 11 / 184 ) ( 11437 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 3 / 251 ) : وفيه المفضل بن صدقة وهو متروك . ( 2 ) سقط في ط .